سهيلة عبد الباعث الترجمان

570

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الكتاب والسنة فليعلم أن ذلك من حيث مفهومه لا من حيث مرادي الذي وضعت الكلام لأجله ، فليتوقف عن العمل به مع التسليم إلى أن يفتح اللّه عليه بمعرفته ويحصل له شاهد ذلك من كتاب اللّه تعالى أو سنة نبيّه . . . فإن من أنكر شيئا من علمنا هذا حرم الوصول إليه ما دام منكرا ولا سبيل إلى غير ذلك ، بل ويخشى عليه حرمان الوصول إلى ذلك مطلقا بالإنكار أول وهلة ، ولا طريق له إلا الإيمان والتسليم . واعلم أن كل علم لا يؤيده الكتاب والسنة فهو ضلال لأجل ما لا تجد أنت له ما يؤيده ، فقد يكون العلم في نفسه مؤيدا بالكتاب والسنة ، ولكن قلة استعدادك منعتك من فهمه ، فلن تستطيع أن تتناوله بهمتك من محله فتظن أنه غير مؤيد بالكتاب والسنة . فالطريق في هذا التسليم وعدم العمل به من غير إنكار إلى أن يأخذ اللّه بيدك إليه ، لأن كل علم يرد عليك لا يخلو من ثلاثة أوجه : الوجه الأول المكالمة ، وهو ما يرد على قلبك من طريق الخاطر الرباني والملكي فهذا لا سبيل إلى رده . . . وعلامة مكالمة الحق تعالى لعباده أن يعلم السامع بالضرورة أنه كلام اللّه تعالى وأن يكون سماعه له بكليته وأن لا يقيد بجهة دون غيرها . . . " « 1 » . ويدعو الجيلي في كل ما حققه من العلوم إلى التكتم في إظهار المعرفة الإلهية عند أهل الخصوص خوفا من جهل الجاهلين على حرماتها وتنزيه الذات عن التشبه بها أو التحقق بما لها من الاتصاف بالأحدية فيقول : وأقمت فوق الكنز منك جدارها * كي لا يشاهد جاهل حرماتها هذي الأمانة كن بها نعم الأمين * ولا تدع أسرارها لوشاتها « 2 » لذلك يعمد إلى الرمز والإشارة دون التصريح في العبارة ، فأسلوبه الرمزي دليل ثقافته الواسعة في اقتناص الألفاظ والعبارات ، فيخفي به معالم مذهبه وعلومه حتى لا ينكشف إلا لأهله . لذلك يشير إلى موقفه هذا بقوله : " واعلم أني رمزت في ذلك التعقل حقائق معاني تلك الأسماء والصفات وهكذا أفعل معك في جميع ما سيأتي في هذا القسم ، فإن تحته أسرار كثيرة نبهتك عليها بهذه الكلمات إن كنت من أهلها واللّه

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص . ص 5 - 6 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص . ص 30 - 31 ، ( صبيح ) ، ص 26 .